يشغل التاريخ التركي صفحات مُشرِّفة في تاريخ العالم، وعند تصفح هذه الصفحات نجد أن الأتراك كانوا من أكثر الشعوب تفاخراً واعتزازاً بقادتهم ورموزهم الذين أسسوا الإمبراطوريات والدول والإمارات التركية التي حكمت في مختلف بقاع العالم. وقد لعب القادة الأتراك دورا بارزاً في توحيد صفوف القبائل التركية التي أصبحت قوة عظمى في القارة الآسيوية ومنها انتشرت إلى بقاع العالم.

 

لقد فَهِمَ أتراك “الهون Hunlar ” معنى ومغزى العبارة التي تقول: “اُمة بلا قائد كقطيع بلا راعٍ، يقتاده كل حسب هواه”، وبناءاً عليه، فقد قام قائدهم “تيومان Teoman” عام 220 ق. م بتأسيس أول إمبراطورية تركية جمعت الأتراك تحت سقف إمبراطورية سُميِّت بإمبراطورية “الهون”. وقد وصلت الإمبراطورية إلى أوج عظمتها في عهد نجله “مته Mete” الذي زرع نواة توسيع الإمبراطورية التي حكمت من شرق الصين إلى غرب نهر “الدانوب”. وسار أتراك “گوك تورك Gök Türkler” على خُطى أسلافهم “الهون”، وقام قائدهم “بومين كاغان Bumin Kağan” عام 552 م بتأسيس إمبراطورية “گوك تورك Gök Türkler” التي حكمت مناطق شاسعة من آسيا ، ولعبت دورا مؤثرا في تاريخ الصين . وقد لعب الأتراك من سلالة “الأوغوز Oğuzlar” التي تألفت من أربعة وعشرين قبيلة والتي توحدت تحت أمرة قائدهم “اوغوز خان Oğuz Han” دورا مهما في تاريخ آسيا الوسطى، واستطاعوا من خلال هذه الوحدة تأسيس عدد من الإمبراطوريات والدول والإمارات التركية التي خرجت من أواسط آسيا ووصلت إلى شرق القارة الأوربية وشمال القارة الإفريقية.

 

وعند تصفح صفحات التاريخ مجدداُ نجد أن الأتراك قد شكلوا إمبراطوريات متعددة بعد امبراطوريتي “الهون” و “گوك تورك” منها الإمبراطورية السلجوقية بقيادة “سلجوق بك Selçuk Bey” عام 960م. وقد أسست هذه الإمبراطورية حتى في فترة ضعفها عددا من الممالك والسلالات والدويلات التركية في إيران والعراق ودمشق وفي بلاد الأناضول وشمال أفريقيا. وكانت “الإمبراطورية العثمانية” هي آخر إمبراطورية تركية تأسست عام 1299م من قبل “عثمان غازي” الذي ينتسب الى قبيلة “كايي Kayı” من سلالة “الاغوز”. وكانت الإمبراطورية العثمانية من أكبر الإمبراطوريات في العالم وحكمت في ثلاث قارات (آسيا وأوربا وأفريقية).

 

إن الهدف من تقديمي مقدمة موجزة عن تاريخ الأتراك وكيفية تشكيل الإمبراطوريات والدول والإمارات التركية التي تأسست من قبل قادتها هو لأهمية فحوى الموضوع وضرورته لتقييم وضع الشعب التركماني الذي يعاني اليوم من غياب القائد الأوحد وخاصة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ العراق “عراق ما بعد عام 2003م”. وأجزم أنه حان الأوان لتركمان العراق الذين ظلوا لعقود طويلة كشعب بلا قائد وقيادة أن يبحثوا عن القائد المُنقِذ الذي سيقود سفينتهم الموشكة على الغرق إلى بر الأمان. وأعتقد أيضاً بل أجزم أن فحوى موضوع مقالتي سيفتح باب النقد من قبل بعض النقاد والقراء الذين سيصرون باستماتة على أن التركمان لم يبقوا يوما ما بدون قائد وقيادة، وأنا بدوري أضع الإجابة على الشكل التالي : نعم أن التركمان لم يبقوا بلا قائد وقيادة ولكن القيادة كانت وقتية وأنجزت بعض المهام أما القادة فانهم إما نالوا الشهادة أو واجهوا مجابهة قوية من قبل أبناء جلدتهم الذين تسابقوا فيما بينهم للحصول على المناصب والحط من قدر القادة، وقد مر التركمان بهذه التجربة المريرة بعد سقوط السلطة السابقة عام 2003م.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هو : ما هي ميزات القائد الذي أبحث عنه؟ ويا تُرى هل للتركمان قائد أو قادة تتوفر فيهم شروط القائد والقيادة المطلوبة؟ إذن ينبغي توضيح وبيان صفات القائد الذي أبحث عنه وخاصة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ التركمان السياسي في الوقت الذي تتصارع فيها القوى الداخلية والخارجية لتقسيم العراق والاستحواذ على خيراته النفطية والمعدنية وإبعاد التركمان الذين أصبحوا حجر عثرة في طريق تنفيذ مخططاتهم.

 

وقبل الخوض في صفات القائد المُرتقب، ينبغي ذكر أسماء القادة الشهداء، “عطا خير الله” وشقيقه “اِحسان خير الله” و”النفطچي زا ده لر” و”جاهد فخرالدين” والدكتور “نجدت قوچاك” و”عبدالله عبد الرحمن” و”محمد قورقماز” وغيرهم من الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم من أجل قضيتهم العادلة، كما أن نسيان تاريخ نضالهم سيكون عبثا وظلما بحقهم. وباستشهادهم فَقَدَ التركمان قيادتهم الحكيمة، وبقيت سفينتهم دون قبطان وطاقم تضرب بها الامواج العالية وتُبعدها عن بر الامان كلما حاولوا الاقتراب من الشاطئ.

 

كان القادة الشهداء قدوة ونماذج يحتذى بهم ، وقد تركوا للتركمان خزينة سياسية وثقافية واجتماعية كبيرة ليسير على أثرها القادة الذين سيتولون قيادة المسيرة من بعدهم ولكن.. هيهات!

 

 

وعند إعادة النظر في صفحات التاريخ السياسي للتركمان وخاصة في السبعينات من القرن الماضي نجد أن موقف التركمان الجيوسياسي كان سببا في بقائهم بدون قائد وقيادة، مما أثر على وضعهم الحالي بعد أن تعرضوا لمأساة تاريخية كبرى. وقد أستغل بعض الأشخاص سواء داخل العراق أو في تركيا غياب القيادة التركمانية وخاصة بعد استشهاد الدكتور “نجدت قوجاك” ورفاقه الشهداء الزعيم عبد الله عبد الرحمن والدكتور رضا ده ميرجي ورجل الأعمال عادل شريف، وحاولوا تزعُّم زعامة التركمان، ولكن ليست بصورة علنية بل بصورة خفية وسَمّوا أنفسهم “قادة خلف الكواليس”. ومن وجهة نظري، لا يمكن تسمية هؤلاء بالقادة لأنهم لا يستحقون هذا العنوان، ولان القائد الحقيقي لا يُخفي نفسه خوفا على حياته وماله. وأعتقد أن بعض القراء الاعزاء سواء في تعليقاتهم أو في نقدهم سوف يوجهون إليَّ هذا السؤال: “ألم يظهر أي قائد تركماني من بين التركمان بعد سقوط النظام العراقي السابق”؟ وجوابي هو.. نعم.. فقد ظهرت بعض الأسماء القيادية على الساحة السياسية التركمانية بعد سقوط النظام العراقي السابق في التاسع من نيسان عام 2003م بعد أن دخل العراق إلى مرحلة سياسية جديدة ، وظهر من بينهم اسم لامع وهو الدكتور فاروق عبد الله عبد الرحمن نجل الشهيد الزعيم عبد الله عبد الرحمن الذي كان من بين شهداء التركمان الذين تم إعدامهم مع الشهيد الدكتور نجدت قوجاق في السادس عشر من كانون الثاني (يناير) عام 1980م، ولكنه جُوبِهَ بمجابهة قوية من قبل “قادة خلف الكواليس” الذين لم يَرُقْ لهم رؤية القيادة التركمانية الجديدة أو القائد التركماني الجديد. وقد اُنهي مهام عمله ودوره القيادي في الفترة التي كان التركمان بأمس الحاجة إلى قائد يقودهم في مسيرتهم النضالية . وظهر من بعده اسم لامع آخر وهو الدكتور سعد الدين أرگچ الذي قام هو وطاقمه القيادي وممثليه في خارج العراق بدور مميَّز لخدمة القضية التركمانية سواء في داخل العراق أو في خارجه.

 

وقد شُبَّه هذا الشخص بالقائد القبرصي الراحل (رؤوف دنكتاش)، ولكنه تعرض هو الأخر إلى مؤامرات ودسائس “قادة خلف الكواليس” والأقزام التابعين لهم، وبذلك تم استبعاده وطاقمه من العملية السياسية بعد أن قطعت شوطا كاملا في المسيرة السياسية . وقد شارك في هذه العملية بعض الأشخاص الذين يحتلون حاليا مواقع قيادية في الجبهة التركمانية العراقية ، وقد صرفوا أموالا طائلة من أجل تحفيز وإثارة بعض الشباب ضد الدكتور سعد الدين أرگچ وطاقمه السياسي.

 

وقد أثَّر هذا الاستبعاد على العملية السياسية والمستقبل السياسي للتركمان كثيرا وعلى الساحتين المحلية والدولية.

 

ورغم التظاهرات الجماهيرية التي قام بها التركمان بكركوك لإيقاف هذا النزيف السياسي ألا أنهم أُجبروا على إلزام الصمت ، وبذلك فقد عمل المنشار على الأشجار التي زرعها هذا القائد مع طاقمه في حقل السياسة قبل جني ثمارها .

 

ومن الجدير بالذكر وأقولها بكل أسف أن بعض التركمان لا يُقِّدرون قادتهم وهم أحياء ويكيدون لهم المكائد ، ولكنهم يعطون له عنوان القائد المكتوب على اللافتات السوداء المعلقة على الجدران بعد استشهاده، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا أريد الخوض فيها.

 

وعند مقارنة هذه الحالة مع حالة القوميات العراقية الأخرى نجد أن القوميات الأخرى يمجدون قادتهم ويمتثلون لأوامره سواء كان على حق أو على باطل.

 

إن التركمان اليوم أحوج من الأمس إلى قائد حقيقي وليس إلى “قادة خلف الكواليس”، ولكن يا تُرى ، ما هي الصفات التي يجب أن يتحلى بها هذا القائد الذي أبحث عنه؟

 

أبْحَثُ اليوم عن قائد حقيقي يتحلى بصفات القيادة الحكيمة والفذة، ويتصف بروح النضال والكفاح، ويكون لديه أفكار سياسية ومواقف ايجابية، ولا يتفرد بالحكم وبإصدار القرارات الفردية، وأن لا يعمل من أجل مصلحته ومصلحة أقربائه والمحيطين به، وأن يعمل مع طاقمه من أجل تحقيق الانجازات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وأن يحترم وجود الآخرين ويحترم آرائهم وأن يتسع صدره لتقبل النقد وأن لا يتهم الناقدين بتهم لا تليق بهم أو يقوم باتخاذ إجراءات ضد أبناء جلدته وأن يكون كالنسر الناشر جناحيه ليحمي تحته أبناء شعبه.

 

أبْحَثُ اليوم عن قائد يعرف كل المناورات السياسية، وأن يكون له إلمام بالتاريخ ومنه يُأخُذُ الدروس والعبر، وأن يكون مُلمَّاً بالمستجدات ومهيمناً على السياسية، ويتابع التطورات على جميع الأصعدة، وأن لا يكون صلبا لينكسر وأن لا يكون لينا أو ضعيفا لينحي بسهولة، وأن يكون جادا في عمله ويحترم الآخرين ويقابلهم بوجه حسن، وأن يكون رحيما ومنصفاُ عندما يمسك ميزان العدالة، ومستقيما عندما تفيض عليه الرحمة.

 

أبْحَثُ اليوم عن قائد يقتدي بصفات الرسول محمد بن عبد الله (عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام)، وأن لا يهاب النار والموت مثل إبراهيم (عليه السلام)، وأن يتصف بالشجاعة مثل شجاعة الإمام علي (عليه السلام) وأن يتحلى بصدق إسماعيل وإدريس (عليهما السلام)، وأن يكون صادقا في كلامه مثل الصدق يوسف (عليه السلام) والإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وأن يكون صابرا مثل أيوب (عليه السلام)، وأن يَشُدَّ راية التركمان على عصا موسى (عليه السلام) ليمشي في شَقِّ البحر ليلحق به قوافل التركمان ويقودهم إلى بر الأمان .

 

أبْحَثُ اليوم عن قائد لا يؤمن بالتفرقة الطائفية ولا يُميز أو يُفرق بين أبناء الطوائف من بني جلدته لأنهم جميعا يؤمنون برب واحد ودين واحد.

 

أبْحَثُ اليوم عن قائد يهتم بشباب التركمان وأن يُنَمِّي فيهم روح القضية ويُهيئهم على تولي القيادة من بعده لقيادة التركمان.. وأن لا يهيمن على الحكم، وأن يُخرج حب المناصب والمقاعد من قلبه لان المناصب والمقاعد زائلة ولا يبقى إلا الذكر الطيب.

 

أبْحَثُ اليوم عن قائد يكون بليغا ولديه القدرة على الكلام والتأثير على الآخرين من خلال أفعاله وخطاباته، وأن يستمع الناس إليه، وأن يكون لديه القابلية على التعبئة، وأن يكون لديه الرغبة والعاطفة والحماس.

 

أبْحَثُ اليوم عن قائد لديه رؤية مستقبلية وله قابلية التطلع إلى المستقبل، وأن يكون صاحب قرار، وأن لا يتفرد به، وأن يتخذ القرارات جنبا إلى جنب مع فريق عمله عملا بالمثل المأثور “إن اليد الواحدة لا تصفق”، وأن يكون صاحب أفق واسع وله القابلية على الإبداع.

 

أبْحَثُ اليوم عن قائد يفهم ويعمل بمقولة “ونستن تشرشل” رئيس الوزراء البريطاني السابق الذي قال: “ليس في السياسة عدوٌ دائم بل أن السياسة مبنية على المصالح”، وأن يفكر بمصلحة التركمان وليس بمصالحه الشخصية .

 

أبْحَثُ اليوم عن قائد يتكلم أحدى اللغات الأجنبية، وأن يعرف أسلوب الجلوس والمناقشة خلال الاجتماعات والندوات، وأن يعرف أسلوب المقابلات وكيفية الجلوس مع الشخصيات، ولربما يقول البعض أن معرفة اللغات الأجنبية غير ضرورية، وأن قادة العالم يستخدمون المترجمين في لقاءاتهم، ولكن أقول لهم أن وضع التركمان يختلف كثيراً عن الآخرين، لان من يستَمِع إلينا لا يعطينا فرصة الحديث كثيراً وقد مررنا من هذه التجارب في السابق .

 

أن القائد لا يكون قائدا بمجرد تعليق أو لصق صوره الكبيرة على الجدران، وأقولها بكل أسف إننا عشنا هذه التجربة في الانتخابات العراقية الأخيرة حيث قام بعض الأقزام والمحسوبين على التركمان “وأُنَزِّه الشرفاء منهم” بتلصيق صورهم الكبيرة إلى جانب صور المرشحين الأساسيين، ولكن كشف التركمان حقيقة هؤلاء. وقد أثبتت نتائج الانتخابات العراقية السابقة مدى ثقلهم على الساحة السياسية التركمانية.

 

وأخيرا وليس آخرا ، فقد حملت الفانوس أو المشكاة بيدي لأبحث عن هذا القائد مثلما فعله “الإمام سوتجو Sütçü İmam” في 31 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1919م في مدينة “قهرمان مراش Kahraman Maraş” التركية، وأنا اليوم مستمر بالبحث عن هذا القائد الذي يتحلى بالصفات التي ذكرتُها ، وليس عن المرشد أو المعلم أو “قادة خلف الكواليس” مشيراً إلى “ليس كل ما يلمع ذهب ولا كل ما يبرق فضة”.

 

وبدوري أوجه للشعب التركماني هذا السؤال، هل سنجد من يتحلى بالصفات القيادية التي ذكرتها خلال أسطر هذا المقال؟ وإذا كان هناك شخص واحد أو أكثر فليدلنا عليه أحد منكم لكي ندعمه من كل قلوبنا ونسير خلفه.. وإذا سألتموني عن هذا القائد فأقول لكم نعم هناك قائد بل قادة كثيرون ولكنهم اُبعِدوا قسرا عن العملية السياسية.. وأنتم ماذا تقولون؟

من د. معراج أحمد الندوي

أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابها جامعة عالية، كولكاتا الهندية